أخبار عاجلة

أوروبا أمام اختبار حقيقي: عندما يتحول الاحتجاج إلى تخريب

✍️ بقلم: sheshbesh 📅 نُشر في: 2026-10-18 ⏰ الساعة: 09:51 👁️ المشاهدات: 14
أوروبا أمام اختبار حقيقي: عندما يتحول الاحتجاج إلى تخريب

ما شهدته فرنسا وإيطاليا من أعمال عنف وتخريب يعيد طرح أسئلة صعبة حول الأمن والهجرة والاندماج، والأخطر هو استغلال العلم الفلسطيني في مشاهد قد تقوّض التعاطف الأوروبي مع قضية عادلة.

لم تعد مشاهد السيارات المحترقة، والمحلات التجارية المحطمة، والمواجهات العنيفة مع الشرطة، مجرد أحداث استثنائية في شوارع بعض المدن الأوروبية. فكلما اندلعت احتجاجات واسعة، تتكرر المخاوف من تسلل مجموعات عنيفة تحوّل المطالب الاجتماعية والسياسية إلى عمليات تخريب ونهب واعتداءات على الممتلكات العامة والخاصة.

هذه الظاهرة المعروفة باسم الفاندليزم (Vandalism) تضع أوروبا أمام اختبار جدي يتعلق بقدرة مؤسساتها على حماية الأمن والنظام العام، من دون المساس بالحريات الديمقراطية التي تقوم عليها.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بوضوح: هل أصبحت بعض الحكومات الأوروبية عاجزة عن التوفيق بين حماية حق التظاهر وبين منع الفوضى؟ وهل أدى التساهل في تطبيق القانون، إلى جانب إخفاقات بعض سياسات الهجرة والاندماج، إلى تفاقم مشكلات أمنية واجتماعية لم تعد قابلة للتجاهل؟

من باريس إلى ميلانو: الاحتجاج يتحول إلى فوضى

في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026، شهدت فرنسا واحدة من أعنف موجات الاحتجاجات التي عرفتها خلال السنوات الأخيرة. ووفقًا لتقرير نشرته وكالة رويترز، خرج مئات الآلاف إلى الشوارع احتجاجًا على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة، قبل أن تتحول أجزاء من التظاهرات إلى مواجهات عنيفة وعمليات تخريب ونهب.

في مدينة ليموج، أُضرمت النيران في مبنى البلدية. وفي مرسيليا تعرض مبنى البلدية للاقتحام والتشويه، بينما شهدت ليون إحراق مكتب السياحة، إضافة إلى أعمال تخريب طالت محلات تجارية وسيارات وممتلكات عامة في مدن أخرى.

وبحسب تصريحات المسؤولين الفرنسيين التي نقلتها رويترز، بلغ عدد المعتقلين نحو 1,200 شخص، فيما أصيب أكثر من 150 شرطيًا. وقدّرت وزارة الداخلية الفرنسية عدد المشاركين في الاحتجاجات بنحو 550 ألف شخص، مقابل تقدير نقابي بلغ 800 ألف.

وفي اليوم نفسه، شهدت ميلانو الإيطالية مشاهد مشابهة، حيث تحولت مظاهرة ضد الحروب وغلاء المعيشة إلى مواجهات في ساحة الكاتدرائية ومحيطها. وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن مجموعات ملثمة رمت الحجارة وأشعلت النيران ونهبت محلات تجارية، فيما أُصيب شرطيان على الأقل واحتُجز نحو 50 متظاهرًا.

وهنا لا بد من التوقف أمام حقيقة مهمة: الأغلبية الساحقة من المشاركين في هذه الاحتجاجات جاءت للتعبير عن مطالب اقتصادية واجتماعية مشروعة، بينما تحولت مجموعات محدودة إلى ممارسة العنف. وهذا التمييز ضروري حتى لا يصبح المخربون ممثلين لمئات آلاف المواطنين الذين مارسوا حقهم المشروع في الاحتجاج.

لكن وجود أغلبية سلمية لا يعفي السلطات من مسؤولية التعامل الحاسم مع الأقلية التي تستغل المظاهرات لتدمير الممتلكات.

ماذا تقول الأرقام الرسمية عن الجريمة في فرنسا؟

بعيدًا عن الخطاب العاطفي، تكشف الإحصاءات الفرنسية عن حجم مشكلة الاعتداء على الممتلكات.

فبحسب التقرير الإحصائي السنوي الصادر عن جهاز الإحصاء التابع لوزارة الداخلية الفرنسية (SSMSI)، سُجّلت خلال عام 2025 نحو 539,100 جريمة ومخالفة تتعلق بالتدمير والإضرار المتعمد بالممتلكات، بزيادة نسبتها 2% مقارنة بعام 2024.

والرقم هنا لا يقتصر على أحداث الشغب السياسي، بل يشمل مختلف جرائم الإتلاف والتخريب المتعمد التي سجلتها الشرطة والدرك الفرنسيان.

قد يبدو ارتفاع 2% محدودًا، لكن وجود أكثر من نصف مليون واقعة مسجلة خلال عام واحد يكشف عن مشكلة أمنية لا يمكن التعامل معها بالاستخفاف. وفي المقابل، يشير التقرير نفسه إلى أن متوسط التغير السنوي لهذا المؤشر منذ 2016 كان انخفاضًا بنسبة 2%، ما يمنع وصف الظاهرة بأنها في ارتفاع مستمر طوال العقد.

وهذا بالضبط ما يجب أن يميز النقاش الجدي: عرض الأرقام كاملة، لا انتقاء ما يخدم موقفًا سياسيًا مسبقًا.

الهجرة والجريمة: أرقام تستدعي نقاشًا لا يجوز الهروب منه

تُعتبر الهجرة من أكثر الملفات حساسية في النقاش السياسي الأوروبي. فبينما تركز بعض القوى على الدور الاقتصادي والاجتماعي الإيجابي للمهاجرين، ترى قوى أخرى أن سياسات الاستقبال والاندماج لم تكن دائمًا مصحوبة برقابة أمنية كافية.

والواقع أن هناك بيانات رسمية تستحق الدراسة.

وفقًا لوزارة الداخلية الفرنسية، شكّل الأجانب نحو 17% من الأشخاص المشتبه بارتكابهم الجرائم والمخالفات المشمولة بالمؤشرات الأمنية الثمانية عشر التي تناولها تقرير عام 2024.

وتشير الوزارة إلى ارتفاع حصتهم بصورة خاصة في بعض جرائم الاعتداء على الممتلكات، إذ بلغت:

- 39% من المشتبه بهم في السرقات من داخل المركبات.
- 38% في جرائم السطو على المنازل والمباني.
- 30% في السرقات المصحوبة بالعنف من دون سلاح.

في المقابل، تشير بيانات المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE) إلى أن الأجانب شكّلوا نحو 8.8% من سكان فرنسا في عام 2024.

بمعنى آخر، هناك تمثيل أعلى للأجانب بين المشتبه بهم في بعض فئات الجرائم مقارنة بحصتهم من مجموع السكان.

لكن هذه المقارنة تحتاج إلى تفسير علمي مسؤول؛ فالأرقام تتعلق بالمشتبه بهم، وليس بالمدانين قضائيًا، كما أن تركيب الفئات العمرية والاجتماعية والاقتصادية وأنماط المراقبة الشرطية قد يؤثر في النتائج.

كذلك لا تعني صفة «أجنبي» بالضرورة «مهاجرًا»، ولا تسمح هذه البيانات بالاستنتاج أن المهاجرين هم من نفذوا أعمال التخريب الأخيرة في فرنسا وإيطاليا.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يكون الخوف من الاتهام بالعنصرية سببًا لرفض مناقشة أي علاقة محتملة بين بعض أنماط الهجرة، ومشكلات الاندماج، والظروف الاجتماعية، ومستويات الجريمة.

المطلوب ليس تجريم مجتمع بأكمله، بل الاعتراف بالمشكلات التي تكشفها البيانات ومعالجتها بجدية.

أوروبا بحاجة إلى سياسة هجرة أكثر حزمًا

تشير البيانات الديموغرافية إلى حجم التحولات التي تشهدها القارة الأوروبية.

فبحسب المعهد الفرنسي للإحصاء، بلغ عدد المهاجرين في فرنسا نحو ثمانية ملايين شخص عام 2025، أي ما يعادل 11.6% من السكان، في حين بلغ عدد المقيمين من الجنسية الأجنبية 6.3 ملايين، أي نحو 9.1%.

وفي إيطاليا، أفاد المعهد الوطني للإحصاء (ISTAT) بأن عدد المقيمين الأجانب وصل إلى نحو 5.56 ملايين شخص في بداية عام 2026، بما يعادل 9.4% من مجموع السكان.

وجود هذه الأعداد ليس مشكلة بحد ذاته؛ فالملايين من المهاجرين يعملون ويدفعون الضرائب ويساهمون في الاقتصادات الأوروبية. لكن الحجم الكبير لملف الهجرة يفرض على الحكومات مسؤوليات واضحة تتعلق بتنظيم الدخول والإقامة، وتعزيز الاندماج، ومنع استغلال ثغرات المنظومات القانونية.

لقد حان الوقت لكي تتبنى أوروبا سياسة أكثر صرامة في التعامل مع من يثبت تورطهم في الجرائم الخطيرة أو العنف المتكرر.

ومن حق الدول، ضمن القوانين والالتزامات الدولية، النظر في إبعاد الأجانب المدانين بجرائم خطيرة عندما تتوافر الشروط القانونية لذلك، بدلًا من الاكتفاء بإجراءات لا تمنع تكرار الاعتداءات.

وفي المقابل، فإن الطرد الجماعي على أساس الأصل أو الجنسية لا يمثل سياسة أمنية عادلة ولا حلًا فعالًا؛ لأن المسؤولية الجنائية يجب أن تبقى شخصية.

من يريد العيش في بلد عليه احترام قوانينه، ومن يطالب بحقوقه ينبغي أن يتحمل المسؤوليات المترتبة عليه.

هذه القاعدة لا ينبغي أن تختلف باختلاف جنسية الإنسان أو خلفيته الثقافية أو السياسية.

عندما يصبح العلم الفلسطيني حاضرًا في مشاهد العنف

أما الجانب الأكثر إثارة للقلق، من وجهة نظر سياسية وإعلامية، فهو إقحام اسم فلسطين وعلمها في بعض مشاهد المواجهات والتخريب.

في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، شهدت مدينة تورينو الإيطالية احتجاجات طلابية مناهضة لحكومة جورجا ميلوني، تداخلت معها شعارات مؤيدة لفلسطين ومعارضة للسياسات الإسرائيلية.

وخلال التظاهرات، وقعت مواجهات أُصيب فيها 15 عنصرًا من الشرطة، وفقًا لوكالة أسوشيتد برس. كما قام متظاهرون بإنزال العلم الإيطالي عن مدخل متحف السينما الشهير في المدينة واستبداله بالعلم الفلسطيني.

وفي 4 أكتوبر/تشرين الأول 2025، شارك مئات الآلاف في مظاهرة تضامنية مع الفلسطينيين بمدينة روما. وقدّرت الشرطة عدد المشاركين بنحو 250 ألف شخص.

وبحسب رويترز، كانت المظاهرة سلمية في معظمها، لكن مجموعة من نحو 200 شخص انفصلت عن المسيرة واشتبكت مع الشرطة، وشهدت الأحداث اللاحقة إحراق سيارات وحاويات نفايات وإلقاء مفرقعات.

هنا تبرز مشكلة ينبغي أن يتوقف عندها كل إنسان حريص على القضية الفلسطينية.

فما العلاقة بين المطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني وإحراق سيارة في روما؟ وما العلاقة بين التضامن مع أطفال غزة وتحطيم واجهة متجر في تورينو؟ وكيف يمكن لمن يدّعي الدفاع عن العدالة أن يبرر الاعتداء على ممتلكات أشخاص لا علاقة لهم بالنزاع؟

فلسطين ليست بحاجة إلى من يحرق الشوارع باسمها، ولا إلى من يحوّل علمها إلى رمز مرتبط بأعمال الشغب.

ولا بد أيضًا من توضيح أن احتجاجات فرنسا وميلانو في 17 أكتوبر 2026 ارتبطت أساسًا بقضايا اقتصادية واجتماعية، ولا توجد أدلة تسمح بربطها كلها بالحركة المؤيدة لفلسطين. الأمثلة المرتبطة بالعلم الفلسطيني تعود إلى احتجاجات أخرى موثقة، ويجب عدم الخلط بينها.

الخسارة الأكبر قد تكون في الرأي العام الأوروبي

لطالما شكّل الرأي العام الأوروبي ساحة مهمة للنقاش بشأن حقوق الفلسطينيين والسياسات الإسرائيلية.

وهناك فرق كبير بين مظاهرة سلمية تضم عشرات الآلاف الذين يحملون اللافتات والأعلام ويطالبون بإنهاء معاناة المدنيين، وبين مجموعة تحطم الممتلكات وتعتدي على الشرطة تحت الشعار نفسه.

المشكلة أن الصور العنيفة غالبًا ما تحظى بانتشار إعلامي واسع، وقد تطغى على الرسائل السلمية.

فعندما يشاهد المواطن الأوروبي علم فلسطين في خلفية مواجهة عنيفة، قد يربط بين القضية الفلسطينية والعنف، حتى لو كان معظم المشاركين في المظاهرة سلميين.

وهذا خطر سياسي وإعلامي لا يجوز الاستهانة به.

إنه يمنح خصوم القضية فرصة لاستغلال أعمال مجموعات صغيرة وتصوير حركة التضامن بأكملها بوصفها تهديدًا للأمن والنظام العام.

وقد يؤدي هذا الربط، إذا تكرر وتُرك من دون مواجهة، إلى إضعاف التعاطف الشعبي، وتشديد القيود الأمنية على التظاهرات، وإبعاد قطاعات من الجمهور عن الاستماع إلى المطالب الفلسطينية المشروعة.

إن الدفاع عن القضية الفلسطينية يحتاج إلى خطاب أخلاقي وقانوني متماسك، يحترم المجتمعات التي يسعى إلى التأثير في مواقفها.

فالتضامن الحقيقي لا يقاس بحجم الفوضى، بل بقدرة أصحابه على كسب التأييد وتغيير المواقف السياسية.

من يتحمل المسؤولية؟

تقع المسؤولية أولًا على من ينفذ أعمال التخريب، ثم على من يحرض عليها أو يوفر لها غطاءً سياسيًا، وعلى السلطات التي يتعين عليها حماية المتظاهرين السلميين والآخرين من العنف.

كما تقع مسؤولية أخلاقية على المنظمات والحركات التي ترفع شعارات تضامنية؛ إذ ينبغي لها أن تدين أعمال التخريب بوضوح، وأن تمنع قدر الإمكان استغلال فعالياتها لتبرير الاعتداءات.

أما الحكومات الأوروبية، فلا يكفي أن تصدر بيانات الاستنكار بعد كل حادثة.

المطلوب تحقيقات فعالة، وتطبيق متساوٍ للقانون، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وسياسات اندماج مبنية على نتائج قابلة للقياس، إلى جانب نظام هجرة واضح يوازن بين الاحتياجات الإنسانية والاقتصادية ومتطلبات الأمن.

فحماية حرية التعبير لا تتعارض مع حماية الممتلكات العامة والخاصة. بل إن التساهل مع المخربين قد يهدد حقوق المتظاهرين السلميين أنفسهم.

أوروبا يجب أن تستيقظ... وفلسطين يجب ألا تدفع الثمن

على أوروبا أن تدرك أن الديمقراطية لا تعني العجز عن فرض النظام، وأن احترام حقوق الإنسان لا يتناقض مع المحاسبة القانونية الصارمة.

وعليها كذلك أن تتعامل مع الهجرة باعتبارها ملفًا يحتاج إلى إدارة واعية، لا مجرد قضية تتقاذفها الشعارات السياسية بين اليمين واليسار.

وفي المقابل، على الحركات المؤيدة لفلسطين أن تدرك أن أكبر خدمة تستطيع تقديمها للقضية هي حمايتها من محاولات اختطافها أو ربطها بالعنف.

فالأعلام الوطنية تحمل رمزية شعوب وتاريخ وحقوق، ولا يجوز تحويلها إلى غطاء لأعمال التخريب.

إن من يريد الدفاع عن فلسطين عليه أن يقدم نموذجًا يحترم العدالة والحقوق والقانون، لا أن يمارس ما يناقض هذه القيم.

أوروبا تحتاج إلى الشجاعة لحماية أمنها ومجتمعاتها، والقضية الفلسطينية تحتاج إلى الشجاعة لحماية صورتها الأخلاقية.

وفي الحالتين، يجب أن تكون الرسالة واضحة:

الاحتجاج حق، والتضامن موقف إنساني، لكن التخريب جريمة. ولا جنسية تمنح حصانة من القانون، ولا علم يمنح شرعية للعنف.

👍 أعجبني 👎 لم يعجبني 💬 الانتقال للتعليقات 🔗 نسخ الرابط

💬 تعليقات وآراء الزوار

كن أول من يترك تعليقاً على هذا الخبر! 💬

📰 مقالات وتقارير مشابهة وموصى بها

📋 تم نسخ رابط الخبر بنجاح!